يحلل الباحث داغيم يوهانس واقع المؤسسة العسكرية المصرية، موضحاً أن حجم الجيش المصري وتسليحه الضخم لا يعكسان بالضرورة جاهزية كاملة لخوض الحروب الحديثة بقدر ما يعكسان فلسفة سياسية تشكلت عبر عقود طويلة. ويجادل الكاتب بأن النظام السياسي صاغ بنية المؤسسة العسكرية بحيث تؤدي دوراً أساسياً في حماية استقرار السلطة وضمان بقائها، وهو توجه امتد منذ ثورة الضباط الأحرار عام 1952 وحتى اليوم. لذلك لا تعكس بعض مظاهر الجمود أو التعقيد داخل المؤسسة العسكرية أخطاءً تنظيمية بقدر ما تعكس خيارات استراتيجية مقصودة تهدف إلى منع أي تهديد داخلي محتمل.
ونشر موقع هورن ريفيو هذا التحليل الذي يتناول العلاقة بين السلطة والجيش في مصر، ويستعرض الكيفية التي أثرت بها اعتبارات الأمن السياسي واستقرار النظام على هيكل القوات المسلحة وآليات عملها، فضلاً عن انعكاسات ذلك على الكفاءة العسكرية والقدرة القتالية في النزاعات الحديثة.
حماية النظام أولوية تتقدم على الكفاءة القتالية
منذ منتصف القرن العشرين، نظر القادة المصريون إلى الجيش باعتباره الركيزة الأساسية للنظام السياسي، وفي الوقت نفسه المصدر الأكثر قدرة على تهديده. ونتيجة لذلك، بنت الدولة منظومة معقدة لإدارة النفوذ العسكري ومنع تركز القوة داخل مؤسسة واحدة. وأنشأت أجهزة ومؤسسات موازية مثل الحرس الجمهوري وقوات الأمن المركزي وأجهزة الاستخبارات المختلفة لتحقيق توازن دائم داخل المنظومة الأمنية.
واعتمدت الدولة كذلك على سياسات تفضّل الولاء السياسي عند اختيار القيادات العسكرية، مع إجراء تنقلات دورية للقادة لمنع تشكل شبكات نفوذ مستقرة. كما قسمت الوحدات العسكرية إلى هياكل منفصلة نسبياً بما يقلل فرص التنسيق المستقل أو تكوين مراكز قوة مؤثرة خارج نطاق الرقابة المركزية.
وعززت هياكل القيادة هذا النهج، إذ ركزت السلطات صلاحيات واسعة في المستويات العليا للدولة، بينما حدّت من استقلالية القيادات الميدانية. وارتبطت القوة التشغيلية بصورة وثيقة بمراكز صنع القرار في القاهرة، ما حافظ على السيطرة السياسية المباشرة على المؤسسة العسكرية.
وفي الوقت نفسه، وسعت القوات المسلحة حضورها الاقتصادي عبر مشروعات البناء والبنية التحتية والصناعات المختلفة، ما خلق شبكة مصالح اقتصادية تربط الضباط والدولة بعلاقات متبادلة. وامتد هذا النفوذ إلى قطاعات حيوية تشمل التطوير العمراني وصناعة الأسمنت وسلاسل الإمداد الغذائي. ومن خلال هذه المنظومة، عززت الدولة الولاء المؤسسي عبر الحوافز الاقتصادية إلى جانب الأدوات التنظيمية والإدارية.
التفكك المؤسسي وتحديات الجاهزية العسكرية
يكشف تحليل بنية الجيش المصري عن درجة ملحوظة من التعدد والتنوع في مصادر التسليح. فالقوات المسلحة تعتمد على معدات وأنظمة مصدرها الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والصين إلى جانب الإنتاج المحلي. ورغم أن هذا التنوع يمنح هامشاً من المرونة السياسية والاستراتيجية، فإنه يفرض في المقابل تحديات تشغيلية ولوجستية معقدة.
ويؤدي اختلاف المنظومات العسكرية إلى تنوع برامج التدريب والصيانة وقطع الغيار، الأمر الذي يزيد صعوبة الدمج السريع بين الوحدات المختلفة. كما يخلق ثقافات تشغيلية متباينة داخل المؤسسة العسكرية، ما يحد من مستوى التنسيق بين الأفرع المختلفة خلال العمليات المشتركة.
ويضيف الكاتب أن المركزية الإدارية تفرض قيوداً إضافية على سرعة اتخاذ القرار، إذ تقلص قدرة القادة الميدانيين على المبادرة المستقلة في الظروف المتغيرة. وفي الحروب الحديثة التي تعتمد على السرعة والتكيف المستمر، تكتسب هذه العوامل أهمية حاسمة.
وتنعكس التحديات نفسها على المجال الاستخباراتي، حيث تعمل عدة أجهزة بمهام متقاطعة ومتداخلة. وبينما تساهم هذه البنية في تعزيز الرقابة الداخلية، فإنها قد تعيق أحياناً تدفق المعلومات بصورة سلسة وسريعة، ما يؤثر على الوعي الميداني واتخاذ القرار خلال العمليات العسكرية.
الجيش المصري بين الأمن الداخلي والحروب الحديثة
تتطلب الحروب الحديثة مستويات عالية من التكامل بين المشاة والمدرعات والمدفعية والقوات الجوية والخدمات اللوجستية، كما تحتاج إلى مرونة كبيرة في اتخاذ القرار على المستويات الميدانية. إلا أن البيئة المؤسسية التي تعطي الأولوية للرقابة المركزية تجعل تحقيق هذا المستوى من التكامل أكثر صعوبة.
وتزداد التحديات مع تعقيد منظومات التسليح وتعدد احتياجاتها الفنية، الأمر الذي يبطئ وتيرة العمليات ويحد من قدرة الوحدات على دعم بعضها بعضاً خلال المواجهات الممتدة. كما يؤثر التركيز على الولاء المؤسسي في بعض الأحيان على مسارات التطوير المهني والتدريب المتقدم، ما ينعكس على بناء الكفاءات العسكرية طويلة المدى.
وظهرت بعض هذه الإشكالات خلال العمليات العسكرية في شمال سيناء، حيث احتاجت الحملات الأمنية والعسكرية إلى سنوات طويلة وحشد موارد كبيرة رغم مواجهة جماعات مسلحة محدودة الإمكانات. كما كشفت تجارب التدخلات الخارجية المحدودة المرتبطة باليمن وليبيا عن صعوبات تتعلق بالتنسيق العملياتي وإدارة المهام العسكرية خارج الحدود.
ويخلص الكاتب إلى أن الجيش المصري يمتلك قدرات كبيرة من حيث الحجم والتمويل والتسليح، لكنه يعمل وفق أولويات مختلفة عن تلك التي تحكم الجيوش المصممة أساساً لخوض حروب واسعة النطاق. فتركز البنية الحالية على حماية النظام السياسي والحفاظ على الاستقرار الداخلي وإدارة المجتمع، بينما تأتي مواجهة التهديدات الخارجية في مرتبة لاحقة.
ويرى التحليل أن هذا التوجه ليس نتيجة خلل عارض، بل يعكس استراتيجية طويلة الأمد جعلت من المركزية والتنوع المؤسسي وتوزيع القوة أدوات رئيسية لضمان استقرار السلطة. ومن ثم، يبرز ما يصفه الكاتب بالمقايضة الأساسية داخل النموذج المصري؛ إذ يصعب على مؤسسة عسكرية صُممت لضمان بقاء النظام أن تحقق في الوقت ذاته أعلى مستويات الكفاءة المطلوبة للحروب الحديثة عالية الكثافة.
ولذلك تبدو القوات المسلحة المصرية، وفق هذا الطرح، أقرب إلى أداء الدور الذي صيغت من أجله منذ عقود طويلة أكثر من سعيها إلى التحول نحو نموذج قتالي تقليدي يركز حصراً على ساحات المعارك الخارجية.
https://hornreview.org/2026/06/22/the-hidden-trade-offs-behind-egypts-military-power/

